الشيخ الأميني

47

الغدير

هجاؤه أخرج القرن الثالث للهجرة شاعرين هجائين هما أشهر الهجائين في أدب العصور الإسلامية عامة : أحدهما ابن الرومي . والآخر دعبل الخزاعي هاجي الخلفاء والأمراء وهاجي الناس جميعا ؟ ؟ وقال : إني لأفتح عيني حين أفتحها * على كثير ولكن لا أرى أحدا وقد جمع المعري بينهما في بيت واحد وضرب بهما المثل لهجاء الدهر لبنيه فقال : لو أنصف الدهر هجا أهله * كأنه الرومي أو دعبل وليس للمؤرخ الحديث أن يضيف اسما جديدا إلى هذين الاسمين فإن العصور التالية للقرن الثالث لم تخرج من يضارعهما في قوة الهجاء والنفاذ في هذه الصناعة ، وكلاهما مع هذا نوع فذ في الهجاء يظهر متى قرن بالآخر . فدعبل كما قلنا في غير هذا الكتاب ( لا يهمنا ما ذكره في دعبل ) . أما ابن الرومي فلم يكن مطبوعا على النفرة من الناس ، ولم يكن قاطع طريق على المجتمع في عالم الأدب ، ولكنه كان فنانا بارعا أوتي ملكة التصوير ولطف التخيل والتوليد وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال ، فإذا قصد شخصا أو شيئا بهجاء صوب إليه ( مصورته ) الواعية فإذا ذلك الشئ صورة مهيأة في الشعر تهجو نفسها بنفسها ، وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها كما تنطبع ؟ ؟ الأشكال في المرايا المعقوفة والمحدبة ، فكل هجوه تصوير مستحضر لأشكاله ، أو لعب بالمعاني على حساب من يستثيره . وابن الرومي يسلب مهجوه الفطنة والكياسة والعلم ويلصق به كل عيوب الحضارة التي يجمعها التبذل والتهالك على اللذات ، فإذا حذفت من هجوه كل ما أوجبته الحضارة والخلاعة الفاشية في تلك الحضارة فقد حذفت منه شر ما فيه ولم يبق منه إلا ما هو من قبيل الفكاهة والتصوير . وكان لصاحبنا فنا واحدا من الهجاء لا ترتاب في أنه كان يختاره ويكثر منه ولو لم تحمله الحاجة وتلجأه النقمة إليه ، ونعني به فن التصوير الهزلي والعبث بالإشكال المضحكة والمناظرة الفكاهية والمشابهات الدقيقة ، فهو مطبوع على هذا كما يطبع المصور على نقل ما يراه وإعطاء التصوير حقه من الاتقان والاختراع ، و